مصطفى لبيب عبد الغني

186

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

يعرفون « بالدهريين » لقولهم بقدم الدهر واستناد الحوادث إليه ، وجحدوا الصانع المدبر للعالم وزعموا أن العالم لم يزل موجودا كذلك بنفسه وبلا صانع « 1 » . وليس لمفهوم الإلحاد حدود حاسمة ؛ فقد يتسع أو يضيق وهو على أي الحالات يختلف باختلاف تصورات الناس واعتقاداتهم ، وباختلاف الزمان والمكان ونمط العقلية وطبيعة النظرة إلى حدود العقل وحدود الدين « 2 » . وربما يكون أحسن تحديد لهذا اللفظ اطلاقه على المذهب الذي ينكر وجود الله لا على المذاهب التي تنكر بعض صفات الله أو تخالف معتقدا دينيا معينا أو رأيا جماعيا مقررا . فالفلاسفة الماديون ملاحدة ؛ لأنهم قالوا إن للمادة وجودا مطلقا ، وإنها علة الحركة والحياة والفكر ، والدهريون ملاحدة ؛ لأنهم زعموا أن العالم لا يحتاج إلى صانع وأنه بما فيه مبنى على الاتفاق « 3 » . * * * وقبل الشروع في تبينّ حقيقة الإيمان والإلحاد عند الرازي نبادر إلى تقرير حقيقة هامة يكشف عنها استقراء تاريخ الفلسفة وتطور التفكير عموما ألا وهي حقيقة أن العقل فعل من أفعال الإيمان وأن الإلحاد موقف متناقض تناقضا جذريا . ، وأن الكفر فكر مغلوط ضلّ السبيل « 4 » ، وأن وجود الله وثيق الارتباط بإيمان العقل بنفسه وثقته في بداهته وأن تلك الثقة أمرّ مسلمّ به مقدّما ، بل إن " التفكير يتضمّن قسما ويمينا " « 5 » وإذن فليس لدينا أردنا أم لم نرد إلا سبيل

--> ( 1 ) الغزالي : « المنقذ من الضلال » ص 84 . ( 2 ) راجع في ذلك : أبو البقاء الكفوي : « الكليات » ح 4 ، ص 111 ، 117 ، نشرة عدنان درويش ومحمد المصري ، دمشق 1976 . ( 3 ) جميل صليبا : « المعجم الفلسفي » ح 1 ص 120 ، دار الكتاب اللبناني ، بيروت 197 . ( 4 ) أشار زكى نجيب محمود في لمحة بارعة إلى ما توحى به على الفور الدلالة اللفظية لكلمتى فكر وكفر ، وكيف أنهما متباينتان ومتضادتان معنى ومبنى . ( 5 ) عثمان أمين : « ديكارت » ص 197 ، القاهرة 1969 . وأيضا : الغزالي : « معراج السالكين » ص 111 ، القاهرة 1924 .